الثقافة الهجينة
كيف تم تهجين الثقافة العربية دون أن نشعر بذلك؟ وما تأثير ذلك علينا كأفراد؟
مقدمة
في صباح هذا اليوم قد كنت كعادتي اليومية استهل يومي بطريقتي المعتادة غير الصحية لكن المؤقتة، فأتصفح تويتر في حلقةٍ لا نهائية، إلى أن يشتتني مشتتٌ آخر، ليستوقفني حينها مقطع مجتزأ للدكتور مختار الغوث ،لا يتجاوز الثلاث دقائق يتحدث فيه عن مسخ الهوية العربية عبر الترجمات المخلة بالمعاني، الناقلة للنصوص حرفيًا بما يقابل المترادفات لفظيًا بالمعنى السطحي دون الحمولة الثقافية الهامة جدًا، بالأحرى دون اختيار ما يوافق المعاني مراعيةً للثقافة المختلفة، فلا يدري القارئ بقصد الكاتب إلا أن كان ملمًّا باللغة المُترجَم منها، أو أن تكون ثقافته منتكسة للغة المترجم منها حتى وان لم يكن متقنًا لها ! . وقد أثار أيضًا مما قد تحريت عنه مسبقًا حول التعليم في الوطن العربي ومعضلة الازدواجية اللغوية المؤثرة على الحصيلة المعرفية الطلابية؛ مما يصب أخيرًا في ثقافة الفرد، والتي هي محور ولب فكرة تدوينة اليوم فقد شوهت تلك الثقافة الفردية وعُذِّبت إلى أن كادت تلفظ أنفاسها الأخير.
الترجمات الغاوية
مما أدخل عبر الترجمات
من كان معاصرًا للأدب العربي سابقًا وحاليًا يدرك تغير الأمثال وشحها وانقلابها العسكري على الثقافة العربية ممولةً من الثقافة الغربية فلا تكاد تقرأ مقالًا أو كتابًا إلا وتجد به من مخلَّفات العولمة، وتجد أيضًا عدمًا فيما يخص الأمثال والاسقاطات العربية المتأصلة بثقافتها، بل الجمل والتعبيرات الغربية التي لا تمد للعرب بصلة وأستطيع ضرب الأمثال دون نهاية لشهرتها، وانتشارها حتى العرب كلهم، فمثلًا : “على سبيل المثال” “وفجأةً” “إلى درجة” “ومن بينهم”.. كلها تعبيرات أجنبية غريبة على العرب أُدخلت عن طريق الترجمة وتأثيرها السلبي عند جهل المترجم بالثقافة العربية لتصل لحد عدم التفريق بينها وبين العربية لدى الفرد العربي نفسه! .. فما خلت المجازيات من ذلك التأثير فعلى سبيل المثال.. وها أنا اعيد الكرة، لا علينا لنكمل : “ذر الرماد في العيون” “لا جديد تحت الشمس” “يلعب دورًا” “وجد طريقه إلى”.. لا يكاد يوجد عربي إلا ويعرفها (الأخيرتين على الأقل) ويظنها عربية وهي في الأصل دخيلةٌ عليه. وهناك أيضًا من المفردات ذات الحمولة الثقافية الغربية يستخدمها العرب في كل يوم مثل قطاع الطيران الذي لا تخلو مقطورةٌ فيه من “سيداتي سادتي” المستوردة من الغرب الذي في ثقافته يقدم المرأة على الرجل وفي الثقافة العربية قد تستبدل بكل بساطة بـ”سادتي” أو “سادة” لأن هنا الجمع يشمل الرجل والمرأة، وهناك مثالٌ آخر وهو مصطلح “مدرسة” بمعنى المذهب فلها بكل تأكيد حمولة ثقافية قيمة لدى الغرب تحديدًا أوروبا فكان الفلاسفة يتجمعون في مكانٍ واحد ويخطب بهم أحدهم ليعلمهم بشكلٍ دوري في مكانٍ معين فسميت مدرسة، لكن مع ذلك لا يصح انتزاع مصطلح عريق ذو الكثير مما يذكِّر به العربي كـ”مذهب” لتستبدل بكلمةٍ لا تحمل أي حمولة ثقافية لديه، وذلك ما لا نجده لدى الغرب فالجبل مثًلا يدل لدينا على أكثر من مجرد تضاريس مرتفعة بل ويمتلك في جوفه معاني غنية فيدل على الجسم المعروف أو القوة والثبات والرزانة حسب السياق ومع ذلك لا نرى الجبل لديهم إلا جبلًا.
مما تغير معناه عبر الترجمات؛ 1-0 لصالح الثقافة العربية
فكما أُدخلت الكثير من التعبيرات والمجازيَّات على الثقافة العربية تم أيضًا تغيير مدلولات بعض المفردات الثقافية، والترجمات هذه المرة ليست المتهم الوحيد، فالعولمة لعبت دورًا كبيرًا بذلك فعلى سبيل المثال (مثالٌ حي علي وأنا استخدم ما صدَّرته أفواه «الفرجنة» لنا) لدينا كلمة «أُصوليْ» التي تحمل في طياتها لدى العرب الدلالة على الشخص العالم بأصول الفقه، أما اليوم فيظنها العربي دلالةً على التشدد والغلو بالدين وذاك مما لا يمد أي صلة بثقافته فأصل تلك الحمولة الثقافية هو عند بروز فرقة بروتستانتية متشددة في أوروبا ليطلق الأوروبيين عليهم ذلك مشيرين به لأي من أرادوا وصفه بالتشدد والغلو، ولدينا أيضًا كلمة حمامة التي لا يكاد شخص في العالم الا ويملك حمولةً ثقافيةً موحدةً عنها وهذا غير طبيعي فتُربط بالسلام وأصل ذلك أنه بحسب الكتاب المقدس عندما أراد نوح عليه السلام التحقق من صلاحية الأرض للحياة وجفافها من بعد الطوفان، أرسل غرابًا فلم يعد ثم أرسل حمامةً لتعود حاملةً في منقارها غصن الزيتون فعلم نوح عليه السلام بأن الأرض صلحت للعيش فاتُخِذت الحمامة رمزًا للسلام، لكن عند التدقيق بمثل هذا نرى أن القصة مروية في الكتاب المقدس فما علاقة العرب الطاغي عليهم الإسلام بحمل مثل تلك الحمولة الثقافية ؟! والأدهى والأمر وجود حمولة ثقافية غزيرة جدًا لكلمة الحمامة لدى العرب أصلًا ! وقد قيل على لسانهم أبياتٌ كثيرة تستند على ذلك فتدل على الفقد والشجاعة وسبب ذلك أسطورة تقول أن هديلًا(فرخ حمامة) اعتدى عليه جارحٌ فأكله في غياب سيدنا نوح، ومنذ ذلك الوقت والحمام ينوح عليه.
خير الترجمات؛ 1-1 مع الثقافة الغربية
لا يمكننا الجزم بضر الترجمات للثقافة العربية لأنها وإن عثرت قليلًا مع بعض التراجمة قليلِ الحيلة تظل من أهم وسائل تحصيل المعرفة العالمية خصوصًا مع العولمة الحالية فتنتشر المعارف بكل اللغات بشتى بقاع الأرض بكبسة زر، فلك أن تتخيل لو لم تصل لنا قصص الأدب العالمية أو معارفها أو فلسفاتها فتقبع المشكلة بشكل أساسي في موضعين : أولهما ضعف الإنتاج العربي لتغطى المؤلفات المترجمة وذلك من غير الطبيعي حدوثه وقد حدث، فأصبحت المؤلفات الأصلية منسلخةً عن الثقافة العربية، وثانيهما مما قد لا يتفق معي فيه كُثر وهو انعدام الاشكالية في استيراد التعبيرات عدا المفردات، فلوهلة قد تظن أني منسلخ عن الثقافة العربية، لكن التمهل والتمعن مطلوب وسبب ذلك أنه حتى لو لم تكن تلك التعبيرات الأجنبية سائغةً لدينا فلا غيرها إلا القليل جدًا فاستحضار الثقافة العربية قديمة الأصل أصبح نادرًا بين القراء، وإن حصل كان لمفكرين أجانب فلا سبيل تقريبًا لاستنباطها من قديمِ عهدنا وإن قلنا بأننا سنؤلف تعبيراتٍ مستحدثة فأرني أين ستقوم بذلك ؟ وكيف ؟ فكما وصف الدكتور مختار الغوث ذلك بأنه وإن دل، كان على كسل العقل العربي (مع تحفظي على ذلك لأن نقطة الازدواجية اللغوية تلعب دورًا هنا). أما بخصوص المفردات فلا يمكن بأي وجهٍ من الاشكال امكانية تزكية شحن معانيها الثقافية بغيرها البتة لأن تلك ثقافة لا يصح المساس بها فأنت بذلك الفعل تقوم بكارثة ثقافية ولغوية فتمحو حمولةً ثقافيةً عريقة ملتصقة بهوية الفرد وتلعب بأوتار اللغة ومدلولاتها بما كان في اللغة الأخرى.
الازدواجية اللغوية
الازدواجية اللغوية هي باختصار شكلين أو مستويين للغة نفسها في مجتمع لغوي واحد، وتبرز تلك الازدواجية كمشكلة مستعصية خصوصًا بالتعليم، أو مجالات توصيل المعرفة عامةً، لكن على النقيض تمامًا لا يوجد حرج او اشكال تمامًا في أي قطاعٍ من تلك الازدواجية، بل وتعد من باب تخصيص الكلام بموضعه.. إلا بالتعليم الأكاديمي لأنه المعرفة الرئيسية في حياة الفرد التي تعد من المقدسات في أي نظام حكومي لأنها الركيزة الأساسية لإعمار الشعوب، فمن غير المنطقي أن تكون ذات فعالية منخفضة او مخرجات طلَّابية متدنية المستوى، وذلك ما أنتجته الازدواجية اللغوية في التعليم العربي.
معمعة الازدواجية اللغوية مع التعليم
التدريس في العالم أجمع في معامع كبرى يدحدر ذات اليمين وذات الشمال، يتأرج ويتشقلب، ويقفز ويؤدي مسرحياتٍ بهلوانية وفي جوفه الطلاب قد خبزوا حد التسطح، ومع ذلك فإنه سباقٌ عالمي لتطويره للحاق بفنلندا أو حتى الاقتراب منها، ولو أننا ذكرنا معامعَ عالمية.. لكن العرب ! أين العرب في الصورة من ذلك ؟ وإن لم تطب الإجابة لكن العرب في معامع المعامع جثثًا هامدة في الموضوع فرغم تضاعف التأثير على التعليم العربي بسبب شح المناهج أو رداءتها تأتي الازدواجية اللغوية لتنهش الجثة فتقلب مخرجات التعليم رأسًا على عقب. وهناك جهودٌ مذكورة لا يكاد يُذكر الموضوع إلا وتطرح نفسها ففي دول الخليج ولله الحمد قد اُتخذت اجراءات حولت التعليم لعملية فعالة جدًا مقارنة بما كانت ولو أنها لا تزال لدينا في المملكة متدنية مقارنة بالنتاج العالمي لكنها تظل مشرفة.
بخصوص ما أودت به الازدواجية اللغوية بالتعليم فتارةً أظن انها رمت به من أعلى التل وتارةً أظنها امه الحنونة، فرأيي غير ثابت بتلك المسألة لتفرعها الشديد ولا أكاد أجزم برأيٍ ما، إلا ويبزغ لذهني تفريعٌ جديد للموضوع فإني تائهٌ الآن بين شقين شقٌ يرى بضرورة الفصحى، وآخر يجرم ذلك في حق الطالب ويدعو للتعليم باللهجات؛ فيعلل ذلك بأنه حين تدرس عن الذرات مثلًا بالفصحى حين تتكلم بالعامية لا تكون تلك المعارف حاضرةً، وحين تفكر أيضًا تكون بفطرتك مفكرًا بالعربية العامية لأنها ما نشأت عليه في سنوات حياتك المبكرة تحديدًا العقد الأول، فلا تستحضر تلك المعارف الا بالتحويل في عقلك من عامية لفصحى، وقد أثبتت دراسات بأن التحويل بين فصحًى وعامية، يُحدِث في الدماغ ما يَحدث عند ثنائي اللغة في تحويله من لغةٍ لأخرى، فبذلك تنتج ازدواجية اللغة، ليطفأ احتمال إدراك المعاني بما عُرف؛ لأنها بطبيعة الحال ليست لغته حتى وإن كانت فصحًى، فهو لم يعهد عليها بسنوات حياته المبكرة.. وعودةً لنقطة وقت استحضارها حين تُدرس تلك المعرفة بنفس لغة المتلقي دون ازدواجية يكون فهمها فعَّلًا ويسيرًا أكثر مما دون لغة المتلقي، ومن الطرائف أن حتى العرب قديمًا كانت تطلق على اللهجات لغةً.
ومما يؤيد فكرة التعليم بالعامية أيضًا أنه حين يفكر المتعلم بلغته وتلك طبيعة الإنسان، يستطيع استحضار ما عرف وربطه بما يفكر فيبتكر، وذلك تمثيلٌ حي للتعليم باللغة الإنجليزية فلا ازدواجيةً لغويةً لديهم مجرد رسمية وغير رسمية، ما يجعل اللغة موحدةً تقريبًا عدا اللهجات التي هي أيضًا من مقامات الازدواجية اللغوية لكنها ليست بذاك التأثير العملاق خصوصًا بالإنجليزية، أما العربية فتعد تلك مشكلةً بحق، فلا يفهم من بمشرقها من كان يسكن بمغربها لتعدد مظاهر اللهجات وتنوعها، والحل الذي يطرح نفسه هنا واضح وهي اللهجة البيضاء، فكل منطقة جغرافية واسعة تحكمها بعض من الألفاظ الموحدة فخذ مثلًا شبه الجزيرة العربية يمكن وبسهولة مع تعدد لهجاتها صنع لهجةً بيضاء موحدة للتعليم.
وأما ما يحدث في الحياة الواقعية لا يبشر البتة على مَحِلِّ لهجاتٍ في التعليم والراجح استمرار التعليم بالفصحى ليكون في نظري ونظر آباء عدة حل وحيد مما انتهجوه، وهو التحدث مع الطفل بطفولته المبكرة باللغة الفصحى في مواضع تليق بها كأوقات الشرح والتعليم أو كما سماه البعض بخلق بيئة تتيح لهم الفصحى، والعامية تستخدم في مواضع معينة، فكما وصف الدكتور مختار الغوث بأن الفصحى مقامها رفيع والعلوم والمعارف أيضًا مقامها رفيع فضرورة تدريس المناهج والعلوم بالفصحى مفروضة ولا انفكاك منها وإلا تدني المخرجات التعليمية الحتمي، وعلى الضفة الأخرى نجد الباحث نافذ دقاق يؤيد التدريس باللهجات المحلية أو البيضاء ويستشهد ببحث الدكتورة ريم خميس دكوة الذي يتناول في فحواه مرضى فلسطينيين حديثي تعلم الفصحى مصابين بفقدان القدرة على الكلام أو الحبسة أو الـ”Aphasia” الذي يجعلهم فاقدين للغتهم الأصلية ومتمكنين في اللغة التي تعلموها وما حصل هو تمكنهم من الفصحى وذلك دليل آخر على كلامه.
الختام
فكما ذكرنا اليوم.. أو بالأخص كما ذكرت أنا، ولمَ أستعمل صيغة الجماعة فأبدو كرجل أعمال فاسد يختبئ تحت مظلة شركته؟.. لنكمل، فكما ذكرت اليوم فإني أكون قد أقريت بشيء ملاحظ جدًا لدى الكثر، وإن عمَّ المغفلون عن ذلك لكن تشوه الثقافة تشوه عميق يؤثر على حياة الفرد بأكملها، ليتضمن ابتداءً من اختيار فستق أم بستاشيو إلى قراراتك المصيرية في هذه الدنيا، فالثقافة تشكل الوعي الفردي والمجتمعي بأكمله لذا فقد استخدمت ألفاظًا من قبيل “خطيرة” وطرحت حلولًا أراها معقولة لتلك المشكلة العويصة التي تتجذر كل يوم في عروقنا دون أن نشعر، وإن كان ملاحظًا فقد اخترت العنوان بعناية فاخترت “الثقافة الهجينة” دلالة على التشوه وعدم الانتظام وعدم الخضوع للأصل، راجيًا من الله وجود حل لها، فمصير ملايين العرب المعرفي يستند لها !
فهل ترى حلولًا لتلك المشكلة في العالم العربي ؟ شاركنا برأيك :
يا أمةً ضحكتْ من جهلها الأممُ
-المتنبي
و في حال أعجبتك التدوينة يمكنك مشاركتها من هنا :
إذا وصلتك هذه النشرة من أحد اصدقائك يمكنك الاشتراك من هنا، فماذا تنتظر ؟


